مقالات

صناعة المشاهير الحمقى .. مشاهير ونجوم نحتفي بحماقاتهم يومياً

صناعة المشاهير الحمقى؛ ظاهرة يعاني منها الغرب ومجتمعاتنا العربية بشكل متزايد وبمعدل يدعو للقلق، فبتنا نصنع من حمقى مجتمعاتنا مشاهير ونجوم نحتفي بحماقاتهم… يومياً. تفاقمت هذه المشكلة مع تطور واستحداث مواقع وتطبيقات التواصل الاجتماعي، مما فتح الباب على مصراعيه لفارغي وفقيري المحتوى والمغزى للوصول الى أعلى قمم الشهرة. لا أعتقد أننا نختلف في حب الشهرة على اختلاف صورها لدى البعض؛ فمنهم من يشتهر لعلمه وأخر لكرمه والبعض لموهبته والقليل من يشتهر لاختراعاته، بيد أنهم اجتمعوا على توظيف شهرتهم لإفادة غيرهم. فكانوا مثال لقولٍ جميل  “الشهرة وسيلة وليست غاية”. أما المشاهير الحمقى فغايتهم هي الشهرة وأي وسيلة تحقق لهم ذلك يتّبعونها مهما كلّف الأمر فليس من الضروري أن يملكوا موهبة أو علم أو اختراع أو حتى فائدة عامة قد يُستفاد منها.

عُرفوا أولئك ب “المدونون” أو ما يُعرف بِ “blogger” ، ولكنهم يبعدون عن التدوين بُعد السماء عن الأرض. فمنهم من يدون طريقة ارتدائه لملابسه وكيفية تنسيقها ومصدرها، وهناك من يدون كيفية استخدام مساحيق التجميل، والبعض يدون يومياته الخالية من أي نشاط بنّاء؛ كأن يوثق حفل موسيقي أو حفلة راقصة أو فساتين الفنانين ورواد تلك الحفلات. أما الأكثر حماقةً الذي يدون زوايا وغرف وأثاث منزله مع عرض ما يقتنيه من أحذية – أعزكم الله – وملابس ومجوهرات وتحف. يستخدم أولئك بالمُجمل -وإن ساء التعبير- التدوين المرئي من صور ومقاطع فيديو على الانستغرام وسناب شات وفيسبوك و تيك توك . فهذا أسهل للمتابعة وعلى بعد لمسة واحدة عن المتابع؛ المذنب الأول والوحيد في شهرة أولئك الحمقى.

أحمق يحصد ملايين المشاهدات، في قناة جوفاء تستضيفه، فيصدر عطراً أو تشكيلة أزياء تحمل اسمه، فينشر كتاب فيما لا يختص، فيعقد دورات توعوية! قصة قصيرة أبطالها حمقى وضحاياها ضريري البصر والبصيرة

سواءاً بقصد أو بدون، نحن من صنعنا من أولئك الحمقى نجومٌ ومشاهير والمسوغات كُثُر. كأن نتابع فلان لكونه كوميديان أو لأنه يضحكنا فيبعث السرور فينا. لا أدعوكم لالتزام الجدية طوال الوقت وإنما للحد من جعلها هدف استخدامنا لهواتفنا الذكية وحسابتنا على المواقع الاجتماعية، “فلن نصنع بالضحك مجد أمتنا”. ومنّا من يُبرر متابعته بحب الفضول لمعرفة تفاصيل حياة شخصٍ تافه جُل ما يملكه منزل فاره وثياب راقية وسيارات فخمة ويرتاد أشهر وأغلى المطاعم. أما التبرير الأشهر لأنفسنا هو أننا نشغل أوقات فراغنا أو كما نقول بالعامية “ما ورانا إشي”. المشكلة الحقيقية لا تكمن بجعل أولئك الحمقى مشاهير بل بأخذهم قدوة، فنريد كما فلان لديه ونشتري كما فلان اشترى ونرتاد المكان الذي نصح به فلان.

قصة قصيرة نهايتها نجم أو نجمة قمة بالفراغ الأدبي والعلمي والثقافي وحتى الاجتماعي- حيث أن عدد المتابعين لأحدهم لا يمثل مدى نجاحه اجتماعياً – تبدأ بمقطع فيديو لأحمق يحصد ملايين المشاهدات، فقناة جوفاء تستضيفه، فيصدر عطراً أو تشكيلة أزياء تحمل اسمه، فينشر كتاب فيما لا يختص، فيعقد دورات توعوية! قصة قصيرة أبطالها حمقى وضحاياها ضريري البصر والبصيرة. فالشباب المتأثر بأولئك الأشخاص استمد منهم معايير خاطئة كلياً، الأمر الذي يؤدي لإتلاف طموحات الشباب وانحراف أولوياتهم عن الطريق الصحيح. الكثير من الضحايا هم أشخاص بسيطين ذو تفكير ومنطق بسيط زُعزعت ثقتهم بنفسهم لكونهم لا يتابعون مشاهير عصرهم أو يخطون خُطاهم، فيقل شأنهم وسط أقرانهم. أما البعض الآخر يفقد ثقته بنفسه كونه لا يملك ما يملكون ولا يلبس هندامهم أو يأكل طعامهم ويعيش حياتهم، التي بالأغلب هي قشرة جذّابة لمحتوى مقزز.. إن وُجد.

كون هذه الظاهرة في نظري هي وباء اجتماعي قاتل، ينتشر كالسرطان في الجسد، لا يُشعر به أحد؛ بحثت في أسبابه، فإن عرف السبب بطل العجب. البعض أعزى هذه الظاهرة لاختلال العدالة وتكافؤ الفرص في مجتمعاتنا العربية وأحيانا انعدامها، فصاحب الموهبة والعلم والفائدة لا يملك منبراً أو من يدعمه، وصاحب “اللاشيء” يُدعَم ويُحفّز ويُشَجّع لكونه محظوظ بمعارفه من الأشخاص ذوي النفوذ.

ومن الأسباب المعتقد أنها سببت تفشي هذا الوباء هو انعدام وسائل الترفيه في مجتمعاتنا للشباب بوجه خاص على اختلاف طبيعتها. أما انا فشخصياً انظر لأي تضليل واستخفاف بعقول أمتنا لا سيما شبابنا وأطفالنا بأنه خطة استراتيجية تكتيكية من العدو ودول العالم الأول لإبقائنا في الظلام، في مؤخرة العالم؛ متخلفين عن أقراننا من الأمم النامية والمتقدمة. قد ينطبق ذلك على الكثير من الظواهر التي تواجه أمتنا بشكل عام إلا أنها لا تنطبق على ظاهرة صناعة المشاهير من حمقى مجتمعاتنا.

فلست أرى من يجبرني لأنضم لملايين المتابعين لامرأة، لمجرد أنها تملك ذوق رفيع في انتقاء ملابسها. وليس هناك ما يدفعني لإمضاء ساعات وساعات على شاشة هاتفي لتلبية فضولي في معرفة ماهية حياة الأغنياء، أليس مستقبلي وطموحي وهدفي بالحياة أولى بتلك الساعات؟ أليسوا أطفالنا أحق بهذه الساعات؟ ماذا عن الساعات المقتطعة من الوقت المخصص لوظائفنا. هذه التساؤلات وأخرى على نهجها جعلتني أيقن أننا نحن من نصنع من أنفسنا مذنبين في جريمة ضياعنا وضلالنا من جهة وفي جريمة صناعة مشاهير حمقى من جهةٍ أخرى.

إن تعمقنا بالتفكير في طبيعة حياتنا سنرى كيف أننا نستهتر بقدرتنا على الإنجاز والعطاء والإفادة والاستفادة، نسرف في وقتنا فيما لا يغني ولا يسمن من جوع. ساعات من يومنا وسنين من عمرنا نبذرها على من لا يستحق

قرأت في هذا الموضوع مقال بجريدة أمريكية يُعزي صناعة أولئك المشاهير إلى فشلنا في جعل حياتنا مشِّوقة أو متميزة إلى حدٍ ما، فنلجأ لاقتحام حيوات من هم بنظرنا – الخاطئ – متميزين فنغذِّ بهم عنصر الإثارة والتشويق الذي نفقده نحن. كان هذا من أكثر الأسباب اقناعاً في نظري؛ فترانا عندما نفتقد بعض الدراما في حياتنا نهتم بتفاصيل الحمقى الدرامية المتجسدة بأسباب انفصال زوجين وكيف تلاسن فلان مع فلان ومن سرق فكرة من. نجد ميسوري الحال ينظرون لفاحش الثراء وحياته وملابسه وبيته وسيارته ووجهته القادمة لقضاء إجازة، مما يقلل من رضانا بحالنا واقتناعنا بما لدينا. أما فقيري المرح أغنياء النكد والهم والغم فيلجأوا للكوميدي المرح الفارغ بالأغلب.

إن تعمقنا بالتفكير في طبيعة حياتنا سنرى كيف أننا نستهتر بقدرتنا على الإنجاز والعطاء والإفادة والاستفادة، نسرف في وقتنا فيما لا يغني ولا يسمن من جوع. ساعات من يومنا وسنين من عمرنا نبذرها على من لا يستحق. وقتنا أثمن ما نملك ونمونا وازدهارنا يبدأ من أنفسنا. مجتمعنا سفينة نقودها نحن نحو اليابسة المعمورة والمزدهرة ولكن فيها من يحرفها عن مسارها ويودي بها لأعماق سحيقة مظلمة، فلنكن أذكى من أن نسلِّمهم مقود السفينة ونودي بأنفسنا للتهلكة. الأغلب سيقول: “أنا وحدي لن أصنع فارق” وأنا أقول: ” ابدأ من نفسك” توقف عن متابعة الحمقى واضغط على زر “unfollow”، توقف عن مشاركة صورهم، توقف عن إبداء إعجابك بكل ما ينشروه ولا تضغط زر “like” . أنت وكيانك وعقلك ومستقبلك وعائلتك ومجتمعك أولى بما تنفقه من وقت ومال ودعم واقتداء بحمقى من دونك أنت لا يملكون شيء! لنتوقف عن جعل الحمقى مشاهير!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى